23‏/12‏/2016

الحجامة بين الحقيقة ... وأوهام المرضى

        كثيرا ما نحن الى الماضي ... وكثيرا ما تثير آثار الماضين الاشجان في قلوبنا، والرغبة في العودة الى التاريخ الغابر.
الحجامة هي التاريخ الغابر، والوسيلة الأولى التي استخدمها المسلمون قبل أكثر من ألف عام.


ماهي الحجامة؟ وهل لها أثر علاجي حقيقي؟ أم هي وسيلة يتشبث بها المرضى حينما يعجز الأطباء عن مداواتهم كما يعتقدون على مبدأ (( من اعتقد بحجر كفاه))؟
لماذا تعود هذه العادة الى مجتمعنا الشرقي ومنها العراق من جديد بعد اختفائها في السنين الماضية؟
الحجامة : وكما يعرفها الحجامون وكبار السن وشيوخ الدين هي اخراج الدم الفاسد من الجسم فيعود سليما من كل مرض الا مرض الموت!!


        حدثني أكثر من واحد من المرضى بأن المرض الذي يعاني منه قد أعياه وأعيا الأطباء الذين مر عليهم. ذهب صاحبنا الى الحجام  وقام بالواجب ، فحجم صاحبنا ، فقام من مكانه صحيحا لا يشكو من أية علة. وحينما سألته عن النتائج وهل هو مقتنع بها، أجاب : نعم ، وأحس بالنشاط والقوة. نسي صاحبنا أنه يزورني الآن لذات السبب وهو آلام الظهر المزمنة، ولم يلتفت الى نفسه حينما يصف مغرما الحجامة والحجام!!!


دأب الانسان العربي والعراقي بالذات على تضخيم الأحداث والمبالغة والاعجاب الى درجة نسيان ما يقول أو ما يفعل. أسلوب المغالاة هو ما يميز الانسان العربي والعراقي على الخصوص. نجده يبالغ في سلامه ، يبالغ في إكرامه دون طائل، يسرف في الولائم بلا مبرر ولا ضرورة في حين نجد الى جانبه من يتضور جوعا من أقاربه أو جيرانه. يبالغ في العقوبة والاقتصاص ويتعدى الى خارج حدود المعقول، فلا العين بالعين ولا السن بالسن تنفع أو يعترف بها ، لأن خلاف ذلك ليس من الرجولة كما يفهم. يبالغ في وصفه للبلاد التي يسافر اليها أو يزورها فيصفها بأوصاف هي اقرب للخيال منها الى الحقيقة. يبالغ في حبه للنساء ، يبالغ في طقوسه وعباداته، فتجده يقدس الأشخاص والقبور والآثار بما لم ينزل به الله سلطانا ولا حجة. يبالغ ويبالغ ... حتى في الجهل نجد البلاد العربية الاسلامية تغط به وتبالغ فيه  فنعرات الجاهلية من الثأر والتعدي على الآخرين واغتصاب حقوقهم هي من الثقافات الراسخة في نفوس العرب ولم تزل بل تتجدد فيهم هذه الايام.
وهاهم يعودون هذه الايام الى وسيلة واحدة من الوسائل التاريخية السالفة، والتي عفى عليها الزمن.... الحجامة.


الطب يسعى الى اطالة عمر الانسان والتحكم فيه والمحاولة في استكشاف اكسير الحياة ،والعمل على فك لغز العوامل والجينات التي تطيل عمر الانسان من خلال البحوث المكثفة في علم الهندسة الوراثية. والعرب المسلمون يعودون الى الوسائل البالية والتي لم تكن سواها وسيلة في تلك الازمان من اجل علاج المرض.
الحجامة هي استخراج الدم الفاسد من اماكن مختلفة من الجسم ،الظهر، البطن، القدمين وغيرها .الطب يقول ان الدم الفاسد يجري الى الطحال والكبد فيقوم الأخير بتحليل الكريات الى موادها الاولية من حديد وبروتين ومواد اخرى يعاد استعمالها في انتاج كريات حمر جديدة.
الطب لم يقل وهو في تطوره الهائل هذا بان دما فاسدا يقبع في الظهر أو في مكان آخر غير الطحال.
لو بقي الدم الفاسد في نسيج او عضو من اعضاء الجسم لتسبب في تطور خراج (قيح) ولن يكون هناك صعوبة في تشخيص الحالة هذه.


الطريقة التي يقوم بها الحجّام في مص الدم (الفاسد) هي عملية فيزياوية ،يقوم بتسليط ضغط سالب داخل الة الحجامة وهذه بالنتيجة تسحب النسيج الرقيق (اضعف نقطة)وهو الجلد، فيحتقن الاخير فيخرج الدم مرغما وليس فاسدا بل هو في طريقه محملا بثاني اوكسيد الكاربون (لأنه دم وريدي) والفضلات الضارة الى الرئتين ،والكليتين،ولم يخطر بباله أنه فاسد الى هذا الحد. نعم هو يحمل الفضلات وثاني أوكسيد الكاربون كما قلت ،لكن هذا هو عمله.
وكل دم وريدي فاسد على زعم الحجام!!!
استعمل النبي(ص) وصحابته الحجامة لأنها المتيسرة الوحيدة في زمانهم . لم يكن هناك بنسيلين، ولم تجرى في زمانهم عمليات القلب المفتوح أو زرع الكلى أو الكبد.
ركب الرسول الكريم (ص) البعيرَ وكان يحب ركوب البعير والخيل، ولو توفرت الليموزين أو البي أم دبليو أو الدبابة والطائرة لاستعملها في تنقله وحروبه اذ لا يمكن أن نتصور قتال المشركين على ظهر البعران والخيل وترك التقنيات في قلب الصحراء لتحريمها أو لأمر لايعرف.
أوصى رسول الله بالحجامة وهي لم تكن أمرا تعبديا حتى نتمسك به الى هذا الحد .
قال لنا رسول الله : صلوا وصوموا وحجوا واتوا الزكاة...
وهي كلها امور أو أوامر تعبدية من الواجب علينا التمسك بها حتى ننال رضا الخالق سبحانه، ولم تكن الحجامة منها لأنها أمر مادي خالص خاص بتصحيح مسار البدن ووسيلة صحية حينذاك.
والآن تعود هذه الموضة من جديد لأسباب يمكن ايجازها بما يلي:
تسلط القوى السلفية وظهورها بقوة هذه الأيام أعادت لنا كل ما هو بالي وقديم ومنها الحجامة
الجهل المتفشي بين افراد المجتمعات العربية والاسلامية والجمود على النصوص القديمة.
الشعور بالفشل والاحباط مما زاد من قوة رد الفعل السلبي لدى المسلمين والعرب بالذات.
التأخر التقني والبحثي وعدم الشعور بمسؤولية وخطر الزحف التقني الغربي بل والشرقي نحونا ونحن لا نهش ولا ننش بل نلبس ونأكل ونشرب هذه التقنيات دونما تفحص وتأني لاننا نذرنا انفسنا حقلا لتجاربهم فبئس القوم نحن .
عدم التواصل من قبل المثقفين العرب مع كل ماهو جديد وعصري بل شاهدت في الآونة الاخيرة تأثر المثقفين بهؤلاء العائدين بالركب العالمي الى عصور القرون الوسطى.
موافقة الكثير من الأطباء واقرارهم بما يقوم به الحجام بل وسمعت احد الاطباء ينصح أحد مرضاه بزيارة الحجام ،وهذا ما زاد الطين بلة
وفي الختام :
زارني احد المرضى فقال : لقد حجمت لأني اعاني من زيادة في نسبة الهيموغلوبين.
قلت له: اذا لماذا جئتني الآن؟
قال :كي تتأكد من نزول نسبة دمي الى الطبيعي.
أرسلته الى المختبر وجاءت النتائج تؤكد زيادة نسبة الهيموغلوبين .
كانت هذه الزيادة بسبب التدخين. هذا شيء حسن لكن من غير المستحسن أن تحجم وتخرج قليلا من الدم(الفاسد) وتشعر بأنك شفيت تماما .
شعر مريضنا بالحزن لكنه مازال يدافع عن نعمة الحجامة التي منحته شعورا وقتيا بالراحة.
هذا الشعور هو وهم نفسي وتعلق بسبب غيبي مقدس وهو ارتباط الحجامة بحديث لرسول الله ،مع العلم ان صاحبنا لا يصلي ولا يصوم!!!!

الدكتور علي الطائي




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق